فى هذا المقال نتحدث عن السيارة الفرنسية الستروين (2CV) وهذه الرموز اختصار لـ "deux chevaux" أو "حصانان بخاريان" وهى سيارة اقتصادية ذات محرك أمامى بتبريد الهواء وآلية جر أمامى تم إنتاجها فى باريس بواسطة شركة "سيتروين" ما بين عامى 1948 إلى 1990 .

citroen 2cv


citroen 2cv 03كان الفلاحين الفرنسيين مازالوا يعتمدون على الأحصنة وعربات الكارو فى التنقل فى ثلاثينيات القرن الماضى فتبنى نائب رئيس شركة سيتروين "بيير بولانجر" هذا المشروع لتقديم بديل مميكن واقتصادى للفلاحين الفرنسيين، وقد جمعت هذه السيارة ما بين الهندسة المبتكرة والإستخدامات المتعددة وقد ساعد هيكلها المعدنى المميز والمقوى بهذه التعريجات المميزه لهذه السيارة على امدادها بالقدرة على التحمل الشاق وبدون وزن كبير، كما تميزت بسعر بيع منخفض وسهولة كبيره فى صيانة محركها المبرد بالهواء والذى أمدها بقوة 9 حصان كما كانت موفرة فى استهلاك الوقود، وزودت السيارة بتعليق مرتفع مما وفر راحة للركاب وتناسب مع طرقات الريف الوعرة وقد ساعد تصميم السيارة مع السقف القابل للفتح على توفير مساحة تحميل داخلية كبيره.
تم إنتاج هذه السيارة فى فرنسا ما بين عام 1948 إلى 1988 وتم إنتاجها فى البرتغال من عام 1988 إلى 1990، ما يزيد عن 3ملايين وثمان مئة سيارة تم إنتاجها من الـ (2CV) مع حوالى مليون ومائتى ألف الـ (2CV) الفان الصغيرة المصممه لتوصيل الطلبات، وقد قدمت سيتروين العديد من النماذج المختلفه للسيارة لخدمة الأغراض المختلفه مثل الـ (Ami) وانتج منها مليون وثمان مئة ألف سيارة و الـ (Dyane) وانتج منها مليون وأربع مئة ألف سيارة و الـ (Acadiane) وأنتج منها مائتين وخمسون ألف سيارة و الـ (Mehari) وأنتج منها مائة وأربعون ألف سيارة وإجمالاً أنتجت سيتروين تسع ملايين سيارة من الـ (2CV) بمختلف نماذجها.
كان سعر بيع الـ (2CV) منخفض مقارنة بمنافساتها ففى ألمانيا الغربية خلال الستينات كان سعر "السيتروين" يبلغ حوالى نصف سعر "الفولكس فاجن بيتل" فمنذ منتصف الخمسينات زادت المنافسة فى فئة السيارات الإقتصادية عالمياً فظهرت (الفيات 500) فى عام 1957 و(الفيات 600) فى عام 1955 و(الأوستن مينى) فى عام 1959، وبحلول عام 1952 قدمت ألمانيا سيارة ذات سعر منافس وهى (الميسرشميت KR175) واتبعتها (بالإسيتا) وصنفت هذه السيارات فى فئة "المايكروكارز" وليست مثل (السيتروين 2CV ) سيارة كاملة ذات أربع أبواب، وفى السوق الفرنسى وفى عام 1960 ظهرت (السيميكا 1000) المبنية على تكنولوجيا شركة "فيات" و (الرينو 4) الهاتشباك.
فى عام 1953 صدر تقرير تقنى عن مجلة "أوتوكار" وصف فيه تصميم "السيتروين 2CV" بأنه من أكثر التصميمات براعه ومما لا شك فيه أنه تصميم هندسى يتميز بالأصاله، وفى كام 2011 أطلقت عليها مجلة "جلوب آند ميل": (السيارة التى لا مثيل لها)، كما كتب عنها محرر السيارات " إل.جى.سيترايت" :(أنها من أكثر التصميمات ذكاءً وعمليه وبساطة والتى نجحت فى سيارة).

تاريخ السيارة

فى عام 1934 استولت شركة ميشلان على شركة سيتروين إثر إفلاسها وقامت الإدارة الجديده بعمل استفتاء، للتعرف على متطلبات الشعب الفرنسى فى السيارة التى يحتاجها وكان كثير من الشعب الفرنسى غير قادر على شراء سيارة، فقامت الشركة باستخدام نتيجة هذا الإستفتاء لإعداد تصميم منخفض التكلفة وذا قوة تحمل كبيره ويسع لأربع ركاب بالإضافة لمنتجات زراعية بوزن 50 كيلوجرام وبسرعة 50 كيلومتر/الساعة عبر الطرق الطينية والغير معبدة مع اقتصادية كبيره فى استهلاك البنزين فكانت تستهلك 3 لتر/100 كيلومتر، كما كان مت متطلبات التصميم أن يتميز بتعليق ناعم يسمح بنقل "البيض" عبر هذه الطرق الزراعية الوعره إلى الأسواق دون ان ينكسر.
فى عام 1936 قام "بيير بولانجر" نائب رئيس شركة "سيتروين" ورئيس قسم الهندسة والتصميم بإرسال أمر البدء فى العمل على تصميم وتطوير سيارة صغيرة (Toute Petite Voiture – "Very Small Car") إلى فريق عمله وهو نفس الفريق الذى قام بتصميم شهيرة سيتروين " التراكشن أفانت " على أن يتم العمل فى منتهى السرية فى منشأة "ميشلان" فى "كليرمونت" و فى شركة "سيتروين " فى "باريس".
قام "بولانجر" بمتابعة تطورات المشروع وكافة القرارات المتخذه بشأنه عن كثب وكان مما اهتم بشأنه أيما اهتمام " تخفيض الوزن " فقام بإنشاء إدارة مهمتها وزن كل قطعة من السيارة وإعادة تصميمها لتخفيض وزنها وكان هدف هذه الإدارة تخفيض وزن السيارة لأقصى وزن دون الإخلال بآدائها.

حادث سيارة بيير ميشلانعين "بولانجر" المهندس "أندرى لوفيبر" كرئيس للمشروع وكان لهذا المهندس تاريخ فى تصميم سيارات سباقات "الجراند بريكس" وكان متخصصاً فى تصميم الشاسيهات وتماسك السيارة على الطريق.
ظهر النموذج الأولى للسيارة عبارة عن شاسيه مزود بآلات التحكم الأساسية مع كراسى وسقف وارتدى السائقون بذلات جلدية مثل طيارى الطائرات القديمة المكشوفه، وبنهاية عام 1937 تم بناء واختبار 20 نموذج اختبارى وكان لكل نموذج كشاف أمامى واحد كما يطلب القانون الفرنسى، بنهاية عام 1973 قتل "بيير ميشلان" فى حادث سيارة وأصبح "بولانجر" هو رئيس شركة "سيتروين".
وبحلول عام 1939 أعتبرت السيارة جاهزة بعد 47 نموذج اختبارى مختلف تم بناؤها واختبارها، وكانت هذه النماذج مصنوعه من الألومينيوم والمغنيسيوم ومزودة بمحرك مسطح من اسطوانتين ومبرد بالماء وذات جرأمامى، وكانت الكراسى من القماش مثل "الهاموك" ومعلقه فى السقف بأسلاك، وتم تصميم نظام التعليق متميز بواسطة "ألفونس فورسو"، وفى منتصف عام 1939 تم إنتاج دفعة مبدئية من 250 سيارة وتم طباعة المنشورات الترويجية والإعداد لتقديم السيارة للسوق الفرنسية فى معرض باريس للسيارات فى أكتوبر من نفس العام تحت إسم "سيتروين 2 سى فى (Citroën 2CV)".
وبما أن شركة "سيتروين" كانت مملوكة لشركة "ميشلان" فقد احتوت السيارة على أحدث اختراعات شركة "ميشلان" التى قدمت لأول مرة وهى "العجلات الراديال" كتجهيز أساسى.

الحرب العالمية الثانية


فى الثالث من سبتمبر 1939 أعلنت فرنسا الحرب على ألمانيا بعد أن اجتاحت ألمانيا بولندا وفى هذه الأجواء المضطربه والكارثية تم إلغاء "معرض باريس للسيارات " قبل شهر من إقامته وبالتالى فقد تأجل إطلاق "السيتروين 2 سى فى".
وخلال احتلال ألمانيا لفرنسا رفض "بولانجر" التعاون مع السلطات الألمانية إلى حد أن "الجستابو" أدرج "بولانجر" كعدو للرايخ الألمانى وظل "بولانجر" تحت تهديد الإعتقال والترحيل لألمانيا، وقررت شركة ميشلان المساهم الأكبر فى شركة سيتروين ومدراء الشركة أن يخفوا مشروع "الـ 2 سى فى" عن النازى المحتل خوفاً من أن تتحول إلى مشروع عسكرى وتم دفن العديد من نماذج السيارة فى أماكن سرية وأحدها تم تحويلها إلى سيارة نقل على سبيل التنكر وتم تدمير الباقى من النماذج، فيما ظل "بولانجر" طوال الست سنوات التاليه يخطط للعديد من التطويرات، ومن الجدير بالذكر أنه تم العثور على ثلاث من هذه النماذج فى إحدى الحظائر وحتى عام 2003 أصبح عدد النماذج الناجيه منذ الحرب العالمية الثانية خمس نماذج.

citroen tpvبحلول عام 1941 حدث وأن ارتفعت أسعار الألومينيوم بنسبة 40% وبما أن تصنيع جسم السيارة كان يعتمد على استخدام الألومينيوم فقد وجد "بولانجر" أنه بهذه الطريقة لن يصبح تصنيع السيارة ذو جدوى اقتصادية وعليه فقد رأى أن يتم إعادة تصنيع السيارة على أن يتم الإعتماد على ألواح الحديد بدلاً من الألومينيوم، ولم تكن هذه هي الصعوبات الوحيده التى واجهها "بولانجر" فقد كان النازيون من أكبر الصعوبات التى واجهت سيتروين ومالكها حتى أنه أصبح متشككاً فى إمكانية عودة الشركة للعمل بعد الحرب.
وفى بدايات عام 1944 اتخذ "بولانجر" قرار التخلى عن المحرك المبرد بالماء ذو الإسطوانتين والذى تم استخدامه فى نماذج عام 1939 وعهد إلى "والتر بيكيا" بتصميم محرك مبرد بالهواء وبإسطوانتين وبنفس سعة المحرك القديم (375 سى سى) كما طلب منه تصميم صندوق نقل حركة من ثلاث سرعات إلا أنه قام بتصميم صندوق بأربع سرعات وبنفس حجم الصندوق ذو الثلاث سرعات وبتكلفة أعلى بقليل، وكان هذا مما ميزهذه السيارة الصغيره عن مثيلاتها فى ذلك الوقت مثل "رينو جيفيكاتر" و "البيجو 202" والتى كانت مزودة بثلاث سرعات فقط، وقد أقنع "بيكيا" المالك "بولانجر" بأن هذه السرعة الرابعه هى لزيادة العزم وفى الحقيقة أن هذه السرعة الرابعه أدت لزيادة العزم لمواجهة زيادة الوزن الناتجة عن استخدام الحديد فى بناء جسم السيارة والشاسيه بدلاً من الألومينيوم كما ذكرنا آنفاً، وقد شهدت السيارة بعض التعديلات الأخرى فى الكراسى والشكل الخارجى على يد المصمم الإيطالى "فلامينو بيرتونى" وفى نفس العام 1944 أجريت أولى الدراسات حول التعليق (الهوائى/المائى) على السيارة.
ومما ساهم أيضاً فى تأخير تطويروإنتاج السيارة فى عام 1944 "الحكومة الإشتراكية الفرنسية" والتى تولت حكم فرنسا بعد تحريرها من الإحتلال النازى على يد الحلفاء فقد وضعت خطه اقتصادية أسميت "خطة بونز" وكان هدفها تبسيط الإنتاج فى ظل الموارد الشحيحة وتم تسميتها على إسم الإقتصادى ورجل صناعة السيارات الفرنسى "بول مارى بونز"، وسمحت هذه الخطة "لستروين" بالعمل فى السيارات المتوسطة بالتواجد بسيارتها "سيتروين أفانت"، فى حين سمحت لشركة "رينو" بالعمل فى سوق السيارات الصغيرة عبر سيارتها "رينو 4 سى فى"، وانتهت هذه السياسة فى عام 1949، ولكن عندها كانت الطرقات الفرنسية مختلفة عما كانت عليه قبل الحرب فقد عادت العربات ذات الخيول وبأعداد كبيره ولم يتبقى من الـ 2 مبيون سيارة التى كانت موجوده قبل الحرب إلا 100ألف سيارة ما زالت تعمل، وكانت هذه الفترة من عمر فرنسا تسمى "بالسنوات الرمادية".
فى الحلقة القادمة .. متى أطلقت السيتروين 2 سى فى ؟